فخر الدين الرازي

40

تفسير الرازي

مثلهن في كونها طباقاً متلاصقة كما هو المشهور أن الأرض ثلاث طبقات طبقة أرضية محضة وطبقة طينية ، وهي غير محضة ، وطبقة منكشفة بعضها في البحر وبعضها في البر وهي المعمورة ، ولا بعد في قوله : * ( ومن الأرض مثلهن ) * من كونها سبعة أقاليم على حسب سبع سماوات ، وسبع كواكب فيها وهي السيارة فإن لكل واحد من هذه الكواكب خواص تظهر آثار تلك الخواص في كل إقليم من أقاليم الأرض فتصير سبعة بهذا الاعتبار ، فهذه هي الوجوه التي لا يأباها العقل ، وما عداها من الوجوه المنقولة عن أهل التفسير فذلك من جملة ما يأباها العقل مثل ما يقال : السماوات السبع أولها : موج مكفوف وثانيها : صخر وثالثها : حديد ورابعها : نحاس وخامسها : فضة وسادسها : ذهب وسابعها : ياقوت ، وقول من قال : بين كل واحدة منها مسيرة خمسمائة سنة وغلظ كل واحدة منها كذلك ، فذلك غير معتبر عند أهل التحقيق ، اللهم إلا أن يكون نقل متوتر ( اً ) ، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك والله أعلم بأنه ما هو وكيف هو . فقوله : * ( الله الذي خلق ) * مبتدأ وخبر ، وقرئ * ( مثلهن ) * بالنصب عطفاً على * ( سبع سماوات ) * وبالرفع على الابتداء وخبره * ( من الأرض ) * . وقوله تعالى : * ( يتنزل الأمر بينهن ) * قال عطاء يريد الوحي بينهن إلى خلقه في كل أرض وفي كل سماء ، وقال مقاتل : يعني الوحي من السماء العليا إلى الأرض السفلى ، وقال مجاهد : * ( يتنزل الأمر بينهن ) * بحياة بعض وموت بعض وسلامة هذا وهلاك ذاك مثلاً وقال قتادة : في كل سماء من سماواته وأرض من أرضه خلق من خلقه وأمر من أمره وقضاء من قضائه ، وقرئ * ( ينزل الأمر بينهن ) * قوله تعالى : * ( لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ) * قرىء * ( ليعلموا ) * بالياء والتاء أي لكي تعلموا إذا تفكرتم في خلق السماوات والأرض ، وما جرى من التدبير فيها أن من بلغت قدرته هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يكون لغيره كانت قدرته ذاتية لا يعجزه شيء عما أراده وقوله : * ( أن الله على كل شيء قدير ) * من قبل ما تقدم ذكره * ( وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) * يعني بكل شيء من الكليات والجزئيات لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، عالم بجميع الأشياء وقادر على الإنشاء بعد الإفناء ، فتبارك الله رب العالمين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .